سيد محمد طنطاوي
177
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بمجيء محمد صلى اللَّه عليه وسلم سبب لاهتداء الناس إلى نبوته . ولما كان أشد وجوه الاختلاف والمنازعة بين المسلمين وبين اليهود ، والنصارى في ذلك ، لا جرم أعاده اللَّه - تعالى - مرة أخرى تنبيها على أن الإنجيل يدل دلالة ظاهرة على نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم فكان هدى في هذه المسألة التي هي أشد المسائل احتياجا إلى البيان والتقرير . وأما كونه موعظة : فلاشتمال الإنجيل على النصائح والمواعظ والزواجر البليغة المتأكدة . وإنما خصها بالمتقين ، لأنهم هم الذين ينتفعون بها » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّه فِيه ) * أمر من اللَّه - تعالى - لأتباع سيدنا عيسى - عليه السلام - الذين وجدوا قبل بعثة النبي صلى اللَّه عليه وسلم بأن يحكموا فيما بينهم بمقتضى أحكام الإنجيل بدون تحريف أو تبديل . أما الذين وجدوا بعد بعثة النبي صلى اللَّه عليه وسلم فمن الواجب عليهم أن يصدقوه ويتبعوا شريعته ، لأن الشريعة التي جاء بها صلى اللَّه عليه وسلم نسخت ما قبلها من شرائع . قال الآلوسي ما ملخصه ، قوله : * ( ولْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّه فِيه ) * أمر مبتدأ لهم بأن يحكموا ويعلموا بما فيه من الأمور التي من جملتها دلائل رسالته صلى اللَّه عليه وسلم وما قررته شريعته الشريفة من أحكام ، وأما الأحكام المنسوخة فليس الحكم بها حكما بما أنزل اللَّه ، بل هو إبطال وتعطيل له إذ هو شاهد بنسخها وانتهاء وقت العمل بها ، لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة الأحمدية شاهدة بنسخها . واختار كونه أمرا مبتدأ الجبائي . وقيل هو حكاية للأمر الوارد عليهم بتقدير فعل معطوف على قوله * ( وآتَيْناه ) * . أي : - وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل فيه هدى ونور - وقلنا ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه . وحذف القول - لدلالة ما قبله عليه - كثير في الكلام . ومنه قوله - تعالى - : والْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ . واختار ذلك علي بن عيسى . وقرأ حمزة * ( ولْيَحْكُمْ ) * - بكسر اللام وفتح الميم - بأن مضمرة - بعد لام كي - والمصدر معطوف على * ( هُدىً ومَوْعِظَةً ) * على تقدير كونهما معللين . أي : وآتيناه ليحكم « 2 » . وقوله : * ( ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * تذييل مقرر ومؤكد لوجوب الامتثال لأحكام اللَّه - تعالى - . أي : ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه ، فأولئك هم المتمردون الخارجون عن جادة الحق . وعن السنن القويم ، والصراط المستقيم .
--> ( 1 ) تفسير الرازي ج 12 ص 9 ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 6 ص 150